الشيخ محمد الصادقي
284
البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن
18 - مَنْ كانَ منذ تكليفه أو من زمن بعيد يُرِيدُ الحياة الْعاجِلَةَ الدنيوية عَجَّلْنا لَهُ كما استعجل فِيها لا كما يشاء بل ما نَشاءُ ولا لكلّ من يريد العاجلة بل لِمَنْ نُرِيدُ حسب الحكمة الربانية ثُمَّ بعد العاجلة جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها إيقادا لها إذ هم وقود فيها مَذْمُوماً مَدْحُوراً عن الجنة مطلقا ، إذ لم يعمل لها أبدا : " مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها " ما نشاء لمن نريد " وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ . أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ " ( 11 : 18 ) . 19 - وَمَنْ أَرادَ الحياة الْآخِرَةَ بنعيمها وَسَعى لَها سَعْيَها المناسب إياها وَ الحال هُوَ مُؤْمِنٌ باللّه واليوم الآخر وما بينهما من رسالات فَأُولئِكَ الأكارم كانَ يوم الدنيا إلى الآخرة سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً عند اللّه ، مهما كان جزاءه الأوفى في الأخرى . 20 - كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ من أبناء الدنيا والآخرة " نُمِدُّ " مدا إلى هذه أو تلك دون إجبار لأحدهما مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ الذي رباك تربية قمة وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً لا في الدنيا ولا في الآخرة ، مهما كان محظورا لأهل الدنيا بما يعاملونها ، ولكنه محبور قضية الاختيار الاختبار . 21 - انْظُرْ كَيْفَ حسب العدل والفضل فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ هنا ، وفي الأخرى كما سعوا وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ مهما كان هنا درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا فضيلا ، مهما كان هنا لأهل الدنيا رذيلا . 22 - لا تَجْعَلْ أنت ولا سواك مَعَ اللَّهِ ندا يماثله ويعاونه إِلهاً آخَرَ غيري فَتَقْعُدَ عن الحياة البالغة ، إلى حياة شاغبة مَذْمُوماً مَخْذُولًا عند اللّه وأهله . 23 - وَقَضى رَبُّكَ تكوينا في الفطر والعقول ، وتشريعا في كافة الحقول أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ عبادة أو طاعة عبادة ، أو طقوس خاصة باللّه كالسجود والركوع ، فإنها أعلى مظاهر العبودية ، ثم وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً بقضائه ، لأنهما من مجاري الربوبية ولادة وتربية ، ففي مثلث الإحسان والإساءة وتركهما ، الواجب هو الأول والآخران محرمان لا سيما إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما وقضيته أن يسوء أخلاقهما ، ولكن فَلا تَقُلْ لَهُما حينئذ حتى أُفٍّ وهو أقل الإساءة لفظية وَلا تَنْهَرْهُما وهو أكثر منه ، بل وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً واسعا في خلقك معهما حتى وإن ضرباك . 24 - لا فحسب ، بل وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ إليهما كما يخفض الطير جناحها لصغارها وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي حالكوني صَغِيراً وهما حال كبرهما راجعان إلى صغرهما . 25 - رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ كما يعلم مظاهركم إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ في نفوسكم ف " إن " هنا وصلية ، لا شرطية تعني عدم علمه بما في نفوسكم إن لم تكونوا صالحين ، فقد يعذركم ويتوب عنكم إن قصرتم جهالة فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً وهم الراجعون إلى اللّه كثيرا . 26 - وَآتِ ذَا الْقُرْبى وهو الأقرب إليك ممن سواه حَقَّهُ المفروض عليك ، ومنه لذي قربى الرسول رساليا حق الخلافة الإسلامية ، ولسائر ذوي القربى سائر الحقوق المفروضة وَ كذلك الْمِسْكِينَ الذي أسكنه العدم وَابْنَ السَّبِيلِ : سبيل اللّه وَلا تُبَذِّرْ الحق مالا وسواه تَبْذِيراً إبطالا له أيا كان ، تبذيرا لحقوق نفسية كالخلافة لغير ذي القربى الرسالي ، أو مالية كسائر التبذير الحظير . 27 - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ ككلّ كانُوا منذ تبذيرهم إِخْوانَ الشَّياطِينِ فإنهم أولى عمّال التبذير وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً كفرا وكفرانا ، ومن أدنى التبذير الكفران ، كمن يشتري دخانا فيتدخن به ، فإنه تبذير مضاعف ،